أبو حامد الغزالي
251
تهافت الفلاسفة
يستحيل أن يدرك الجسم الذي هو محله ، لم يلزم أن يحكم من جزئي معين ، على كل مرسل ؟ ! ومما عرف بالاتفاق بطلانه ، وذكر في المنطق ، أن يحكم بسبب جزئي أو جزئيات كثيرة ، على كلى ، حتى مثلوه بما إذا قال الإنسان : إن كل حيوان فإنه يحرك عند المضغ فكّه الأسفل ، لأنا استقرأنا الحيوانات كلها فرأيناها كذلك ، فيكون ذلك لغفلته عن « التمساح » فإنه يحرك فكّه الأعلى . وهؤلاء لم يستقرئوا إلا الحواس الخمس ، فوجدوها على وجه معلوم ، فحكموا على الكل به ، فلعل العقل حاسة أخرى ، تجرى من سائر الحواس ، مجرى التمساح من سائر الحيوانات ، فتكون إذن الحواس ، مع كونها جسمانية ، منقسمة إلى : ما تدرك محلها ، وإلى ما لا تدرك ، كما انقسمت إلى ما يدرك مدركه ، من غير مماسة كالبصر ، وإلى ما لا يدرك إلا بالاتصال كالذوق واللمس . فما ذكروه أيضا ، إن أورث ظنا ، فلا يورث يقينا موثوقا به . فإن قيل : لسنا نعول على مجرد الاستقراء للحواس ، بل نعوّل على البرهان ، ونقول : لو كان القلب أو الدماغ ، هو نفس الإنسان ، لكان لا يعزب عنه إدراكهما ، حتى لا يخلو عن أن يعقلهما جميعا « 1 » ، كما أنه لا يخلو عن إدراك نفسه ، فإن أحدا لا يعزب ذاته عن ذاته ، بل يكون مثبتا لنفسه ، في نفسه أبدا ، والإنسان ما لم يسمع حديث القلب والدماغ ، أو لم يشاهدهما بالتشريح ، من إنسان آخر ، لا يدركهما ولا يعتقد وجودهما ، فإن كان العقل حالا في جسم ، فينبغي أن يعقل « 2 » ذلك الجسم أبدا ، أو لا يدركه « 3 » أبدا ، وليس واحد من الأمرين بصحيح ، بل يعقل في حالة ، ولا يعقل في حالة .
--> ( 1 ) كيف يلزم من كون النفس القلب أو الدماغ ، أنه لا بد أن يعقلهما جميعا ؟ ! ، بل اللازم أن يعقل واحدا منهما ، وهو ما يدعى أنه النفس . ( 2 ) أي إن قلنا إنه ليس كالحواس ، بل يخالفها في أنه يدرك نفسه . ( 3 ) أي إن قلنا إنه كسائر الحواس في أنه لا يدرك نفسه .